لم يكن أحد يتصور حينما افتتح معرض القاهرة الدولى للكتاب لأ ول مرة، فى أرض الجزيرة عام 1969، أن يستمر المعرض كل هذه السنوات الطوال، أتذكر – وكنت طالباً فى الجامعة وكأن مصر كلها تعيش فى حالة من البهجة وكنا شبابا ًصغاراً ولكن أحلامنا كانت كبيرة، كانت القراءة متعتنا الوحيدة، أتذكر وقد انقطعت لارتياد المعرض كل يوم، وقد شاهدت أثناء تجوالى كل الرموز الكبار من رواد الثقافة المصرية لقد وجدتهم أمامى وجهاً لوجه، توفيق الحكيم، صلاح طاهر، يوسف السباعى، يوسف ادريس، بل أتذكر أننى قد اقتربت من المرحوم الدكتور مصطفى محمود، وكان مستغرقاً فى مطالعة عناوين الكتب، وتملكتنى الشجاعة وسألته : ماذا تنصحنى بالقراءة يادكتور ؟ فنظر الرجل برقة متناهية وقال لى : ما دراستك ؟ قلت : التاريخ، استمر فى النظر إلى وقد تملكنى الخجل، وبلطف شديد رد قائلاً : أقراء فى كتب الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد فهى علوم لا غنى عنها لدارسى التاريخ.
أتذكر كل هذه الصور الجميلة من هذا الزمن البعيد، وقد تبددت الأشياء واختلفت الأمور، وانقلبت الأحوال رأساً عل عقب، فلم يعد الكتاب هو مصدر المعرفة الوحيدة، ولم نعد قادرين على متابعة كل ما يكتب أو يقال بل ولم يعد معرض القاهرة هو المعرض الوحيد فى المنطقة، ولم تعد الجامعات المصرية هى الرافد الأكبر لكل المثقفين فى العالم العربى، لكن راح معرض القاهرة للكتاب يزداد تألقاً عاماً بعد عام . وقد خلف وراءه تاريخاً طويلاً من المعرفة، وليس من خلال الكتب القادمة من كل انحاء العالم فقط : بل بما يحدثه من حالة تواصل ثقافى وإنسانى غير ندوات وحوارات ومنتديات فكرية ثقافية، واجتماعية، يمكن أن نعتبرها بمثابة طاقة نور لهذا الوطن.
وفى النهاية لا نستطيع أن نقول إننا قد قدمنا فى معرض الكتاب هذا العام، كل ما يمكن أن يقدم، لكننا حاولنا بقدر ما نستطيع أن يكون المعرض هذا العام شيئاً ممتعاً وحضارياً.
ولا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لأرواح البنائين الكبار الذين أداروا هذا المعرض عبر عقوده الأربعة، بدءاً من سهير القلماوى، ومروراً بالشنيطى، وصلاح عبد الصبور، وعز الدين إسماعيل، وسمير سرحان، وانتهينا بفقيدنا العزيز ناصر الأنصارى، وكثيرين غيرهم قد ملأوا حياتنا ثقافة ومعرفة ومحبة..
|